المملكة بين «براغماتية بري» و«حسابات جعجع» الرئاسية!
تُسلّط التطوّرات السياسية الأخيرة الضوء على المشهد المعقّد للعلاقات السعودية – اللبنانية، ولا سيّما في ظل استمرار الازمات الداخلية وتفاقم الخلاف الإقليمي مع «حزب الله». في هذا السياق، تبدو المملكة وكأنها تعتمد مقاربة براغماتية تقوم على الواقعية والتوازن، في مقابل مسعى لبناني، يقوده رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، للاستفادة من هذا التحوّل السعودي وتقديم نفسه كخيار رئاسي محتمل يحظى بدعمٍ إقليمي.
1. البراغماتية السعودية: بري «الشريك الذي لا يُتجاوز»
تشير المعطيات المتداولة في الكواليس إلى أن المملكة العربية السعودية تتبع مقاربة ذكية وحذرة في تعاطيها مع المعادلة اللبنانية، تقوم على مبدأ «الفصل بين الخلاف والواقع».
فعلى الرغم من الخلاف الجذري بين الرياض و«حزب الله» على المستويين الإقليمي والسياسي، ما زالت السعودية تُبقي قنوات التواصل مفتوحة مع الرئيس نبيه بري. هذا الخيار يعكس إدراكاً سعودياً بأن بري، بحكم موقعه كرئيس للمجلس النيابي وزعيم لطائفة شيعية معتدلة وأحد ركائز «الثنائي الشيعي»، هو «شريك سياسي لا يمكن تجاوزه».
القراءة الواقعية للموقف السعودي:
الاطلاع المباشر: تسعى الرياض إلى فهم الموقف الشيعي والتحوّلات اللبنانية من خلال التواصل المباشر مع بري، لا عبر وسطاء أو أطراف معارضة فقط.
تجنّب المغامرة: تدرك المملكة أن خوض مواجهة مباشرة مع «الثنائي الشيعي» لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام، فتفضّل مقاربة واقعية تحافظ على التوازنات الدقيقة، بدلاً من التشدد الإيديولوجي.
2. رهان جعجع: «الولي المنتظر» في زمن الفراغ
في المقابل، يظهر سمير جعجع كأحد أبرز الساعين إلى توظيف مرحلة الفراغ السياسي لصالحه. فالرجل، الذي لطالما حمل مشروع المواجهة مع «الثنائية الشيعية»، يحاول اليوم إعادة تقديم نفسه كـ «الولي المنتظر» للرئاسة بدعم سعودي محتمل.
ملامح هذا الرهان:
الاستثمار في الازمة: يرى جعجع أن اللحظة السياسية الراهنة، مع تراجع جزئي للنفوذ الإيراني في بعض الملفات الإقليمية، تشكّل فرصة حقيقية لتحقيق طموحه الرئاسي المؤجل.
تشكيل جبهة المواجهة: يسعى إلى تثبيت موقعه كـ«رأس حربة» لمشروع سياسي يواجه الثنائي الشيعي، من خلال تعزيز علاقاته مع السعودية واستقطاب الدعم السني والمسيحي على حدّ سواء.
البحث عن الشرعية الإقليمية: إدراك جعجع لأهمية الغطاء السعودي يجعله يعتبر أن أي معركة رئاسية في لبنان لا يمكن أن تُحسم من دون موافقة الرياض أو دعمها في المستقبل.
3. بين الرهان والواقع: قراءة نقدية
تتجلّى حساسية المشهد في التباين بين الرؤية السعودية البراغماتية وطموح جعجع السياسي.
اختلاف في الوزن السياسي: رغم محاولات جعجع تكريس نفسه كمرشّح المواجهة، تدرك الرياض الفارق بين التواصل مع لاعب محوري كالرئيس بري، وبين دعم مرشّح يُنظر إليه كطرف إقصائي قد يزيد التوتر في بلدٍ يقوم على توازنات دقيقة.
تفضيل الحلول التوافقية: تميل المملكة حالياً إلى مقاربة تسووية لا تقصي أي مكوّن أساسي، وتجنّب الانحياز لخيارات قد تؤدي إلى تعطيل إضافي للاستحقاق الرئاسي.
مأزق جعجع: يبقى التحدي أمام جعجع أنّه يقدّم نفسه كرمزٍ للمواجهة، في حين تميل المقاربة السعودية إلى التسويات والاستقرار، ما يجعل رهانه على أن يكون «الولي المنتظر» يصطدم بواقعٍ سياسي أكثر تعقيداً وبتوجّه سعودي يغلّب البراغماتية على المغامرة.
- شارك الخبر:
